أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

57

نثر الدر في المحاضرات

أما واللّه لقد عجزوا عما قمنا به ، فما عضدوا المكافي ، ولا شكروا المنعم . فما ذا حاولوا ؟ أأشرب رنقا على غصص ، وأبيت منهم على مضض ؟ كلّا واللّه أصل ذا رحم حاول قطيعتها ، ولئن لم يرض بالعفو ليطلبنّ ما لا يوجد عندي ، فليبق ذو نفس على نفسه ، قبل أن تمضي عنه ، ثم لا يبكى عليه ، ولا تذهب نفس مسرة لما أتاه . وخطب بعد قتله أبا مسلم ؛ فحمد اللّه ، ثم أثنى عليه ، ثم قال : أمّا بعد ، أيها الناس ، فإنه من نازعنا عروة هذا القميص أوطأناه خبئ هذا الغمد - وأومأ إلى سيفه - وإنّ عبد الرحمن بايعنا ، وبايع لنا على أنه من نكث بنا فقد حلّ دمه ، ثم نكث بنا ، فحكمنا فيه لأنفسنا حكمه على غيره لنا ، ولم تمنعنا رعاية الحقّ له من إقامة الحدّ عليه . وروي أنه قال : أيها الناس ؛ لا تنفّروا أطراف النعمة بقلّة الشكر ؛ فتحلّ بكم النقمة ؛ ولا تسرّوا غشّ الأئمة ؛ فإنّ أحدا لا يسرّ منكم إلا ظهر في فلتات لسانه ، وصفحات وجهه ، وطوالع نظره ؛ وإنّا لا نجهل حقوقكم ما عرفتم حقّنا ، ولا ننسى الإحسان إليكم ما ذكرتم فضلنا ؛ ومن نازعنا هذا القميص أوطأنا أمّ رأسه خبئ هذا الغمد . أهوى هشام بن عروة إلى يده ليقبّلها ؛ فقال له : يا أبا المنذر ؛ إنّا نكرمك عنها ، ونكرمها عن غيرك . قيل : خلا المنصور مع يزيد بن أسيد ؛ فقال : يا يزيد ما ترى في قتل أبي مسلم ؟ قال : أرى يا أمير المؤمنين أن تقتله ، وتتقرّب إلى اللّه بدمه ؛ فو اللّه لا يصفو ملكك ، ولا تهنأ بعيش ما بقي بك عدوك . قال يزيد : فنفر مني نفرة ظننت أنه سيأتي عليّ ، ثم قال : قطع اللّه لسانك وأشمت بك عدوّك . أتشير عليّ بقتل أنصح الناس لنا ، وأثقلهم على عدوّنا ؟ أما واللّه لولا حفظي ما سلف منك ، وأنّي أعدّها هفوة من رأيك لضربت عنقك ، قم لا أقام اللّه رجليك ! قال يزيد : فقمت وقد أظلم بصري ، وتمنيت أن تسيخ